ابن قيم الجوزية
28
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
أمسكته للقتل وصبرته أيضاً وأصبرته : إذا حبسته للحلف ومنه الحديث الصحيح : ( من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عنه معرض ) ومنه الحديث في القسامة : ( ولا تصبر يمينه حيث تصبر الايمان ) والمصبورة : اليمين المحلوف عليها وفي الحديث نهي ( عن المصبورة ) وهي الشاة والدجاجة ونحوهما تصبر للموت فتربط فترمي حتى تموت . وفعل هذا الباب : ( صبرت أصبر ) - بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل - وأما ( صبرت أصبر ) - بالضم في المستقبل - فهو بمعنى الكفالة والصبير : الكفيل كأنه حبس نفسه للغرم ومنه قولهم ( اصبرني ) أي اجعلني كفيلاً . وقيل أصل الكلمة من الشدة والقوة ومنه الصبر للدواء المعروف لشدة مرارته وكراهته قال الأصمعي : إذا لقى الرجل الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارها ومنه الصبر - بضم الصاد - للأرض ذات الحصب لشدتها وصلابتها ومنه سميت الحرة : أم صبار ومنه قولهم : وقع القوم في أمر صبور - بتشديد الباء - أي أمر شديد ومنه صبارة الشتاء - بتخفيف الباء وتشديد الراء - لشدة برده . وقيل : مأخوذ من الجمع والضم فالصابر يجمع نفسه ويضمها عن الهلع والجزع ومنه صبرة الطعام ، وصبارة الحجارة . والتحقيق أن في الصبر المعاني الثلاثة : المنع والشدة والضم ويقال : صبر إذا أتى بالصبر وتصبر : إذا تكلفه واستدعاه واصطبر : إذا اكتسبه وتعمله وصابر : إذا وقف خصمه في مقام الصبر وصبر نفسه وغيره - بالتشديد - إذا حملها على الصبر واسم الفاعل : ( صابر وصبار وصبور ومصابر ومصطبر ) فمصابر من صابر ومصطبر من اصطبر وصابر من صبر وأما صبار وصبور فمن أوزان المبالغة من الثلاثي كضراب وضروب والله أعلم .